الشيخ محمد رشيد رضا

282

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الرسل ونصرهم وتعزيرهم - استحقوا لعنتنا والبعد من رحمتنا ، لان نقض الميثاق قد دنس نفوسهم وأفسد فطرتهم ، وقسى قلوبهم ، حتى قتلوا الأنبياء بغير حق ، وافتروا على مريم وبهتوها ، وأهانوا ولدها الذي أرسله اللّه تعالى لهدايتهم واصلاح ما فسد من أمرهم وحاولوا قتله ، وافتخروا بذلك بمجرد الشبهة ، فمعنى لعنهم وجعل قلوبهم قاسية أن نقض الميثاق وما ترتب عليه من المعاصي والكفر كان بحسب سنة اللّه تعالى في تأثير الأعمال في النفوس مبعدا لهم عن كل ما يستحقون به رحمة اللّه وفضله ، ومقسيا لقلوبهم حتى لم تعد تؤثر فيها حجة ولا موعظة ، فهذا معنى اسناد اللعنة وتقسية القلوب اليه تعالى ، وليس معناه ما يزعمه الجبرية من أنه شيء خلقه للّه ابتداء وعاقبهم به ولم يكن مسببا عن أعمالهم الاختيارية التي هي علة لذلك ، ولا كما يفهمه بعض الجاهلين لسنن اللّه تعالى في الجزاء لإلهي ، إذ يظنون أنه من قبيل الجزاء الوضعي المرتب على مخالفة الشرائع والقوانين في الدنيا . وقد بينا مرارا انه ليس كذلك ، وانما هو من قبيل الأمراض ولآلام المرتبة على مخالفة قوانين الطب ، وهذا أمر معقول في نفسه مطابق للواقع ولحكمة التكليف ، وجامع بين النصوص ، ولو خلق اللّه القسوة في قلوبهم ابتداء فلم تكن أثرا لأعمالهم الاختيارية السيئة لاستحال ان يذمهم بها ويعاقبهم عليها . قرأ حمزة والكسائي « قسيّة » بتشديد الياء على وزن فعيلة ، وهو أبلغ في الوصف من « قاسية » وهي قراءة الباقين . ولأجل موافقة القراءتين كتبت الكلمة في المصحف الامام بغير ألف . وقيل إن قسية بمعنى رديئة فاسدة من قولهم : درهم قسي ، على وزن شقي أي فاسد مغشوش . وقد رد الزمخشري هذا المعنى إلى القسوة بمعنى الصلابة لأن الذهب والفضة الخالصين فيهما لين فإذا غشا بادخال بعض المعادن فيهما كالنحاس أفادهما ذلك قسوة وصلابة ( يحرفون الكلم عن مواضعه ) التحريف إمالة الشيء عن موضعه إلى أي جانب من جوانب ذلك الموضع ، مأخوذ من الحرف وهو الطرف والجانب . والكلم جمع كلمة وتطلق على اللفظ المفرد وهو ما اقتصر عليه النحاة ، وعلى الجملة المركبة ذات المعنى التام المفيد ، كقولك كلمة التوحيد . وتحريف الكلم عن مواضعه يصدق